محمد محمد أبو موسى

181

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

بديئا من ظاهر لفظ « القوم » ، ولو أنه لم يكن فهم الشمول من لفظ « القوم » ولا كان هو من موجبه لم يكن « كل » تأكيدا ولكان الشمول مستفادا من « كل » ابتداء ، وأما للوجه الثالث الذي هو فيه شبيه بالصفة : فهو أنه إذا نفى أن يكون بشرا فقد أثبت له جنس سواه ، إذ من المحال أن يخرج من جنس البشر ثم لا يدخل في جنس آخر ، وإذا كان الأمر كذلك كان اثباته ملكا تبيينا وتعيينا لذلك الجنس الذي أريد ادخاله فيه » « 180 » . ثم يتكلم عبد القاهر في ترك العطف في الجملة التي يكون حالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله ، وانما وجب فيها ترك العطف لأنه قد عرض ما يوجب ذلك ويذكر قوله تعالى : « اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » « 181 » والظاهر أن يعطف على قوله تعالى : « إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ » « 182 » وهو في هذا نظير قوله تعالى : « يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ » « 183 » ، « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ » ، « 184 » وما أشبه ذلك مما يرد فيه العجز على الصدر ، وانما ترك العطف هنا لأن قوله : « إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ » حكاية عنهم وقوله : « اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ » خبر عن اللّه والعطف حينئذ يمتنع لاستحالة أن يكون الذي هو خبر عن اللّه تعالى معطوفا على ما هو حكاية عنهم « 185 » . ثم ذكر قوله تعالى : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ » « 186 » وبين أن العلة في امتناع عطف « إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ » على قوله : « إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ » هو ما ذكروه في الآية السابقة من كون أحدهما خبرا من اللّه تعالى والآخر حكاية عنهم .

--> ( 180 ) دلائل الاعجاز ص 150 ، 151 ( 181 ) البقرة : 15 ( 182 ) البقرة : 14 ( 183 ) النساء : 142 ( 184 ) آل عمران : 54 ( 185 ) دلائل الاعجاز ص 152 ( 186 ) البقرة : 11 ، 12